
يقول خبراء، أن تصاعد الأزمة التونسية يوما بعد يوم،
أثار قلقاً لدى دول عربية ارتأت اتخاذ تدابير، قد تمنع من أنتقال ''عدوى'' الاحتجاجات على أوضاع اقتصادية، وقضايا فساد، والتي اندلعت في كافة الولايات التنوسية، منطلقة من الولاية التي شهدت انتحار شابا بسبب تعطله عن العمل، فهناك الأردن التي اتخذت اجراءات اقتصادية لخفض الأسعار لتهدئة السخط الشعبي بها، وكذلك الجزائر التي تراجعت عن قرارتها الاقتصادية التي من شأنها تخفيض الدعم على سلع اساسية، بعد موجة من الاحتجاجات التي شهدتها البلاد।
وبينما تستجيب الحكومة التونسية، لمطالب ما سميت بالإنتفاضة التونسية، تخص توفير فرص العمل، والتحقيق في قضايا فساد، واعترافها بمقتل 21 شخصاً على الاقل في مواجهات بين المحتجين والشرطة، اقيل على خلفيتها وزير الداخلية يوم الأربعاء، يثور التساؤل هل يمكن أن تنتقل موجة الاحتجاجات الواسعة من تونس إلى مصر، في ظل وجود ظروف اقتصادية ليست بالبعيدة عن التي في تونس؟.
يرى الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية، أن الاقتصاد التونسى، إذا قورن بغيره من اقتصاديات لدول عربية اخرى، لن يكون سيئا على الإطلاق، مشيراً إلى أن الاقتصاد التونسي حقق معدلات تنمية مرتفعة نسبياً، بل ويراه واعداً ايضا، مما يجعله متأكداً من أن موجة الاحتجاجات بالضرورة ستطل برأسها على دول عربية أخرى، ظروفها اسوأ، لكنه يعود ليؤكد أن واقع الدول العربية مختلف عن بعضه البعض، فهناك دول تستطيع نظرا لظروفها الإقتصادية، أن تقوم بتوزيع الموارد، وبالتالي لن يكون هناك داعي لتصاعد الاحتجاجات، بينما دول عربية اخرى لن تستطيع.
ويضيف نافعة أن ما يحدث هناك يمكن أن يتكرر هنا، بسبب خطأ حكومي أو كارثة تحدث، المناسبات كثيرة وموجودة في الواقع، لأمكانية اشتعال الوضع في مصر كما في تونس، وإذا نجحت إنتفاضة في تونس والجزائر في الوصول إلى تلبية طلباتها، ونجحت في تغيير الحكم سيكون هذا مغري بالطبع للمصريين.
فيما يرى حمدي عبد العظيم، الخبير الإقتصادي، أن لتونس تقديرات متقدمة عن مصر في التنافسية والشفافية، إلا أن صحوة الشباب التونسي ووعيه، بالإضافة إلى عدم وجود قانون طوارئ، سمح لهذه الاحتجاجات بالتصاعد، على عكس مصر، التي تشهد موازنتها انخفاضا في الدعم المقدم للمواطن وارتفاعا في دعم رجال العمال، ولم تشهد مثل هذه الاحتجاجات الواسعة، مشيرا إلى أن تقديم مسكنات من قبل الحكومة المصرية للشعب المصري كالوعود بتقديم إعانات بطالة، أو التحضير لقانون تأمين صحي شامل، سيؤجل من إندلاع انتفاضة مصرية كالتي تحدث في تونس.
لكنه لا يستبعد في نفس الوقت، أن تشهد مصر نفس الاحتجاجات إذا لم تعالج الاوضاع الاقتصادية السيئة، مما سيعرضها لضغوط دولية كالتي تشهدها تونس لتستجيب في النهاية لمطالب الشارع، مضيفا أن الاستجابة في النهاية مرتبطة بالضغوط الدولية أكثر منها مرتبطة بمطالب الشارع، وأن ما اثار المجتمع الدولي هو التعامل الأمني الخشن مع الاحتجاجات التونسية، وليست المطالب.
فيما يرى الناشط كمال ابو عيطة، أن مصر مرشحة اكثر لما تتعرض له تونس والجزائر، لكن انشغال الناس بتوابع تفجير كنيسة ''القديسين''، منع وصول موجة الإحتجاج إلى مصر، مشيرا إلى أن النظام المصري ''امهر وامكر'' من نظيره التونسي، ويستخدم اساليب، واجهزة امنية ومخابراتية، تعمل على تخريب وعي الجماهير، وتحطيم الاحزاب، والنقابات، التي من الممكن تحرك الوضع وتقوده كما في تونس، لذا صعب ان يتكرر احداث كالتي شهدتها مصر في 17 و 18 يناير 1977، إذ لا يوجد من يحركها.
وأكد ابو عيطة على أن النظام استفاد من تجربة احداث يناير، التي قامت بسبب غلاء طفيف في اسعار الخبز والجاز، فهي الآن تحرك الاسعار بشكل ماكر، فهي تختار اوقات اثناء ازمات كاحداث الاسكندرية، بما يعني أنها تتجنب الدخول في مواجاهات مباشرة، وحتى إن وجدت هذه المواجهات فإنه لا يوجد اطراف تقف امام الحكومة.
واعتبر عيطة أن من يغذي روح الطائفية، أو يقوم باعمال ارهابية فهو يخدم الحكومة، التي تنتظر مثل هذه الازمات لتلهي الشعب عن مطالبه الإقتصادية، وتأجل الانتفاضة الشعبية، إلا انه لا يستبعد في نفس الوقت أن تقوم الحكومات في مصر والجزائر باختلاق ازمات من نفس النوع لنفس الغرض، مشيرا إلى ازمة مصر والجزائر الاخيرة التي يرى انها مجرد مؤامرة من النظامين.
وأضاف أبو عيطة، أنه إذا حسبنا كمية الاضرابات التي حدثت في مصر، فإنها ستكون اكبر بالتأكيد من التي في تونس والجزائر، لكنها لم تجد من يوحدها ويقودها، لتكون هذه الانتفاضة، فالنخبة السياسية في مصر ضعيفة الآن ولا يصلحوا لشيء إلا دور شهداء الاعتقال، والضرب، والتزوير.
واتهم الناشط الحقوقي القنوات والجرائد المستقلة، والاحزاب والنقابات، التي يعتبرها خاضعة للنظام وعوامل أمان له، نظرا لما تقوم به من تنفيث عن الغضب الشعبي على الاداء الحكومي.
في حين يرى حلمي الراوي، مدير مركز مرصد الموازنة العامة وحقوق الإنسان، أنه يستبعد فكرة العدوى، فمصر وضعها مختلف، سواء من حيث مستوى الوعي، أو في التركيبة السياسية، فلو كانت هناك عدوى فستكون من دولة قوية لدولة اقل قوة.
إلا أنه لا يستبعد حدوث نفس الظواهر لكن ليس على سبيل العدوى، وإنما على سبيل حدث تاريخي كاحداث يناير1977، مؤكدا على أن لو الظروف الإقتصادية ساءت، فالناس بالضرورة ستخرج للشارع، دون أن يقودها أحد، فما حدث في يناير 77 كان مجرد حركة عفوية، لا يستطيع احد الإدعاء بأنه حركها، ولهذا فهي انتهت في يومين، إذ لم يستغلها احد، وأن ما حدث هو خروج بعض التيارات لسياسية كالاحزاب الشيوعية مثلا، كنوع من المشاركة، لكنها لم يكن لها دور في تحريك الناس.
ويعترض الراوي على ما نشرته صحيفة هآرتس، في هذا الشأن بشأن أن مصر لا يمكن أن تحدث فيها موجة غضب، كالتي في تونس، نظرا لوجود ما اسمته قنوات تنفيث من إضطرابات واعتصماتا وتظاهرات على مستوى صغير، ومن وقت لآخر، قائلا ''الإضرابات الصغيرة التي تحدث هي بسبب ظروف اقتصادية ضاغطة على الناس، لكنها إذا ضغطت اكثر واستحكمت اكثر فإنها ستؤدي إلى الانفجار حتما''.
ويشدد الراوي على أن المطالب سواء في تونس أو الجزائر، أو حتى إذا انتقلت إلى الأردن وعمان كما تتوقع الصحيفة الإسرائيلية، ستظل دائما في منطقة المطالب الفئوية والإقتصادية، ولن تتعدى إلى المطالب السياسية، لأنه في ظل ضعف الاحزاب الموجودة، وعدم وجود رؤية سياسية، لن تجعل هناك طموح في تغيير النظام.